من مأزق الحسم العسكري الأميركي إلى احتمالات التصعيد النووي في إيران.. هل تقترب المنطقة من مواجهة تتجاوز حدود السيطرة؟
عُمق | قراءات وتحليلات استراتيجية
الكاتب: عمر الناصر
قبل أكثر من ثمانية أشهر، أشرتُ إلى أن أحد أخطر السيناريوهات المستقبلية للصراع الأميركي الإيراني يتمثل في احتمال الانتقال إلى استخدام سلاح نووي تكتيكي محدود ضد منشآت إيرانية شديدة التحصين، في حال عجزت الخيارات العسكرية التقليدية عن تحقيق الأهداف الاستراتيجية لواشنطن.
ومع استمرار المواجهة وتعقّد مساراتها العسكرية والسياسية، يعود هذا الاحتمال إلى دائرة النقاش الاستراتيجي، ليس باعتباره قراراً مؤكداً أو سيناريو حتمياً، وإنما بوصفه أحد أخطر الخيارات الافتراضية التي تستدعي دراسة تداعياتها.
فالمعادلة الراهنة تكشف عن تفوق عسكري أميركي واضح، يقابله صمود إيراني وقدرة على امتصاص الضربات وإعادة ترتيب القدرات خلال فترات التهدئة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية بشأن مفهوم الانتصار وحدود القوة العسكرية.
أولاً: التفوق العسكري لا يعني الحسم الاستراتيجي
على الرغم مما تعلنه الإدارة الأميركية من نجاحات عملياتية وتقدم في تنفيذ أهدافها، فإن نتائج المواجهة لا يمكن قياسها بحجم التفوق الجوي أو كثافة الضربات وحدهما.
وبحسب تقديري الشخصي، تمتلك الولايات المتحدة تفوقاً عسكرياً واسعاً يمكن التعبير عنه بمؤشر تقريبي يبلغ 75% من السيطرة العملياتية، إلا أن ذلك لا يعني تحقيق الأهداف السياسية والاستراتيجية للحرب.
وفي المقابل، أقدّر قدرة إيران على تعطيل بعض الأهداف الأميركية بنحو 65%، فيما تبقى فرص تحقيق انتصار استراتيجي شامل وسريع على طهران محدودة، وقد لا تتجاوز 30% وفق هذه القراءة التقديرية.
وهذه النسب ليست قياسات إحصائية أو نتائج نماذج عسكرية معتمدة، بل تعبيرات تقريبية عن تقييم شخصي لموازين القوة وحدود الحسم.
وتكمن المعضلة الأميركية في أن التفوق الجوي، مهما بلغ حجمه، لا يضمن إسقاط النظام السياسي الإيراني، فيما تطرح أي حرب برية واسعة تحديات بشرية وجغرافية ولوجستية وسياسية بالغة التعقيد.
ثانياً: جبل الفأس.. معضلة التحصينات النووية الإيرانية
تبرز المنشآت الإيرانية المحصنة تحت الأرض، وفي مقدمتها الموقع المعروف باسم «جبل الفأس» أو «بيكاكس ماونتن» قرب نطنز، باعتبارها إحدى أبرز المعضلات التي قد تواجه أي عملية عسكرية أميركية جديدة.
ويثير عمق التحصينات وطبيعة التكوينات الصخرية المحيطة بهذه المنشآت تساؤلات بشأن قدرة الأسلحة التقليدية الخارقة للتحصينات، ومنها القنبلة الأميركية GBU-57، على الوصول إلى الأهداف المفترضة وتعطيلها بصورة حاسمة.
وقد استُخدم هذا النوع من القنابل خلال الضربات الأميركية على منشأة فوردو، لكن تعميم النتائج على منشآت أخرى أكثر عمقاً أو تختلف في طبيعتها الجيولوجية يبقى أمراً غير محسوم.
فالمشكلة لا تتعلق بالقوة التدميرية وحدها، وإنما بمستوى التحصين وعمق المنشأة وبنيتها الداخلية، إضافة إلى محدودية المعلومات العلنية بشأن طبيعة الأنشطة الموجودة في بعض المواقع.
ومن هنا، يبرز سؤال بالغ الخطورة: ماذا لو استنفدت واشنطن الخيارات التقليدية دون تحقيق النتيجة المطلوبة؟
ثالثاً: السلاح النووي التكتيكي.. أخطر السيناريوهات
في هذا السياق، يمكن مناقشة احتمال اللجوء إلى السلاح النووي الأميركي B61-12 ضمن السيناريوهات الافتراضية للتصعيد، مع التأكيد أنه لا توجد في المعلومات المعروضة أدلة تثبت اتخاذ واشنطن قراراً باستخدامه ضد إيران.
ويحمل هذا الخيار، إن طُرح عملياً، تداعيات تتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة، نظراً إلى الطبيعة النووية للسلاح وما يرتبط باستخدامه من أخطار إنسانية وبيئية وسياسية واستراتيجية.
كما أن وجود منشأة داخل تكوينات صخرية شديدة الصلابة يفرض تعقيدات إضافية عند تقدير نتائج أي ضربة، ولا يمكن حسم فاعلية السلاح بمجرد المقارنة بين قوته ودرجات انصهار الصخور.
إن استخدام سلاح نووي، حتى لو وُصف بالتكتيكي أو المحدود، قد يؤدي إلى انهيار قواعد الردع التقليدية، ويفتح الباب أمام ردود فعل متسلسلة يصعب احتواء نتائجها.
وعليه، فإن الخطر الحقيقي لا ينحصر في ضرب منشأة محصنة، بل في احتمال انتقال الحرب من مواجهة إقليمية إلى أزمة دولية تتداخل فيها الحسابات النووية والمصالح الاقتصادية وأمن الطاقة العالمي.
رابعاً: البدائل العسكرية.. بين التدمير التقليدي والعمليات الخاصة
إذا استُبعد الخيار النووي، فقد تتجه واشنطن إلى إعادة تقييم وسائلها العسكرية التقليدية، مع التركيز على العمليات الخاصة والقدرات الاستخبارية والتكنولوجية المتقدمة.
ومن بين السيناريوهات التي تستحق الدراسة، إمكانية توظيف قوات عمليات خاصة بالتكامل مع فرق متخصصة في التعامل مع المنشآت والمواد النووية، على غرار القدرات التي تتدرب عليها وحدات أميركية متخصصة، ومنها فرق تعطيل القدرات النووية.
كما يبرز الحديث عن وحدات مثل «دلتا فورس» والتشكيلات المرتبطة بقيادة مكافحة التهديدات الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية والمتفجرات، المعروفة باسم 20th CBRNE Command.
غير أن امتلاك هذه القدرات لا يعني بالضرورة إمكانية توظيفها بنجاح داخل العمق الإيراني.
فأي عملية من هذا النوع ستواجه، من حيث المبدأ، تعقيدات تتعلق بالبيئة الأمنية وطبيعة الموقع المستهدف واحتمالات التصعيد، فضلاً عن المخاطر المرتبطة بالمنشآت النووية نفسها.
ولذلك، فإن المقارنة بين إيران وساحات عمليات أخرى، مثل فنزويلا، لا توفر أساساً كافياً لتوقع النتائج؛ لاختلاف الظروف الجغرافية والعسكرية والسياسية بصورة جوهرية.
خامساً: سياسة الضغط.. هل تتحول التهديدات إلى أداة تفاوض؟
قد يشير استمرار العمليات المحدودة والتهديدات المتبادلة إلى اعتماد سياسة استنزاف وضغط متدرج، هدفها دفع طهران نحو تقديم تنازلات أوسع في ملفها النووي.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة التلويح بالخيارات العسكرية الكبرى باعتباره جزءاً من استراتيجية ضغط متعددة الأبعاد، تجمع بين القوة العسكرية والعقوبات الاقتصادية والتصعيد الإعلامي والمفاوضات غير المباشرة.
لكن استمرار هذه السياسة يحمل تناقضاً أساسياً؛ فكلما ارتفع مستوى التهديد، ازدادت صعوبة التراجع دون تنازلات قد يفسرها الطرف الآخر بوصفها تراجعاً استراتيجياً.
وفي المقابل، تسعى إيران إلى المحافظة على قدرتها على الصمود وإعادة إنتاج وسائل الردع، مستفيدة من تعقيدات الحسم العسكري ومن إدراك واشنطن للكلفة المحتملة لأي حرب طويلة.
وهنا تتشكل معادلة «لا سلم ولا حرب»، التي قد تتحول إلى استنزاف سياسي وعسكري واقتصادي للطرفين، مع اختلاف حجم الخسائر وطبيعتها.
سادساً: الجولة الثالثة.. احتمالات التصعيد ومخاطر الإقليم
إذا اندلعت جولة عسكرية جديدة، فمن المرجح أن تتجه الأطراف إلى توسيع نطاق الضربات التقليدية ومحاولة التأثير في القدرات العسكرية والاقتصادية للطرف المقابل.
وقد يؤدي ذلك إلى خسائر إضافية في البنية العسكرية الإيرانية، لكنه لا يضمن بالضرورة انهيار قدرة طهران على الرد أو تحقيق جميع الأهداف الأميركية.
وبالمقابل، قد تسعى إيران إلى توظيف قدراتها المتبقية لإرباك الحسابات الإقليمية ورفع الكلفة الاقتصادية والأمنية للمواجهة، بما يدفع الأطراف والوسطاء نحو البحث عن تسوية سياسية جديدة.
وتبقى دول الخليج والعراق وممرات الملاحة وإمدادات الطاقة ضمن الدوائر الأكثر حساسية تجاه أي توسع في نطاق الحرب.
إن استمرار التصعيد دون أفق سياسي واضح لا يضمن انتصار أي طرف، بل قد يجعل المنطقة بأكملها أمام أزمة تتجاوز قدرة اللاعبين الإقليميين على احتوائها.
سابعاً: الذكاء الاصطناعي والحرب الحديثة.. التفوق الرقمي وحدود الانتصار
كشف تقرير نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي (CSIS) في 2 حزيران 2026 عن الدور المتنامي لمنظومة «Maven Smart System» في دعم العمليات العسكرية الأميركية.
وبحسب التقرير، ساعدت المنظومة في العمليات المرتبطة بضرب أكثر من ألف هدف خلال الساعات الأربع والعشرين الأولى من الحرب على إيران، ما يعكس التحول المتسارع نحو توظيف الذكاء الاصطناعي في معالجة المعلومات الاستخبارية ودعم قرارات الاستهداف.
لكن هذا التطور يطرح إشكالية استراتيجية مهمة:
هل يعني تسريع تحديد الأهداف وتدميرها الاقتراب من تحقيق الانتصار السياسي؟
إن القدرة على إدارة معركة عالية الكثافة، بالاستناد إلى التفوق التقني والمعلوماتي، لا تعني بالضرورة القدرة على إنهاء الصراع وفق الشروط السياسية المطلوبة.
فالحروب لا تُحسم فقط بعدد الأهداف المدمرة، وإنما بمدى تحقق الأهداف الاستراتيجية واستدامة النتائج وقبول كلفة المواجهة.
الخلاصة | ماذا يعني الانتصار على إيران؟
بعد استعراض الخيارات العسكرية والتكنولوجية والنووية المحتملة، تبقى ثلاثة أسئلة أساسية تحتاج إلى إجابات واضحة:
هل يعني الانتصار الأميركي إسقاط النظام السياسي الإيراني بالكامل؟
أم تدمير البرنامج النووي والقدرات الصاروخية الإيرانية؟
أم إجبار طهران على القبول بالشروط الأميركية والعودة إلى المفاوضات من موقع أضعف؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تحدد طبيعة الاستراتيجية الأميركية، ومدى التناسب بين الوسائل العسكرية المستخدمة والأهداف السياسية المراد تحقيقها.
أما الانتقال إلى الخيار النووي، إن وقع، فلن يكون مجرد تصعيد عسكري تقليدي، بل تحولاً بالغ الخطورة في طبيعة الصراع، قد تتجاوز تداعياته إيران والولايات المتحدة وإسرائيل لتطال المنطقة بأسرها.
فالحرب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها حين تتجاوز عتبة السلاح النووي قد تصبح مساراً لا يمتلك أي طرف ضمانة لإيقافه.
وحينها، قد تتحول تذكرة السفر إلى الحرب إلى رحلة بلا عودة.
عمر الناصر
قراءة وتحليل | آراء حرة
عُمق | منصة تحليلية استراتيجية
من العراق… نقرأ ما وراء الخبر



